مايا الحاج ل( دفاتر غوتنبرغ ): "بوركيني" فن السرد في تظهير الجسد الغائب

مايا الحاج ل( دفاتر غوتنبرغ ): "بوركيني" فن السرد في تظهير الجسد الغائب
تغدق الروائية اللبنانية مايا الحاج على بطلة روايتها ( بوركيني ) عن طريق تقنية الصوت الواحد – المونولوغ - سرداً هادئاً "دائرياً" يساعد في بلورة " هوية " ما لها، ويعمل على إزاحة الأصوات الأخرى تدريجياً.

بنوع من التلذذ المضمر الذي تمارسه البطلة في مواجهة " حبيبها " للاستئثار به في معركتها مع الأخريات، وإن بدا للوهلة الأولى أنها هوية ممزقة، وتكاد تتلاشى أمام أسئلة كبيرة وضعت نفسها فيها كفنانة تعرف معنى حضور الجسد الإنساني في الفن، وكأنها تحدس أن العاصفة المقبلة ستجيء مختلفة وتشبه كثيراً نوع هذه الأسئلة المتفجرة.

البطلة - الرسامة التي تختار الحجاب كقطعة قماش لامعنى لها لتتحد به مع ضوء النهار يحيل إلى أجوبة ملتبسة لاتمتلك من يقينيتها شيئاً. الليل قد يحمل إجابات من نوع مختلف حين تتحد هذه البطلة بالمرآة وتبدأ باكتشاف جسدها المغيب بفستان أحمر يحمل كل إشارات الشبق المتفجر. هنا تظهر تساؤلاتها عن أحقية المرأة التي ستحتفظ بها في قرارة نفسها وهي تواجه حبيبها، وكأنها مجردة تماماً، فلانعود نعرف إن كانت هي المحجبة الغامضة أم الفنانة المتحررة في خضم هذه التساؤلات. لاشيء من هذا الجدال الذي يزداد " ضراوة " مع مرور يدفع إلى الحسم، وتظل بطلة " بوركيني " انسياباً دلالياً من تلك الأسئلة التي يدور الصخب من حواليها، فقبيل منع " البوركيني " في فرنسا على سبيل المثال كانت الروائية اللبنانية مايا الحاج قد أنجزت جملة مهمة في توصيف نوع الهوية التي تتخفى وراءها بطلتها وكثيرون غيرها يختفون تدريجياً من بين هذه الأسئلة. رواية ( بوركيني ) 2014 ترجمت للفرنسية في العام الماضي وصدرت في باريس عن دار " إريك بونييه " وقام بترجمتها للغة الفرنسية أنطون جوكي بدعم  من المعهد الفرنسي في لبنان. هنا حوار مع الروائية الحاج:
*كيف حدث أن عملاً أدبياً سبق جائحة إعلامية عالمية حدثت باسم "بوركيني". عادة يحدث العكس؟؟
**ثمة روايات كثيرة استبقت أحداثاً اجتماعية وسياسية مهمة. وأعتقد أنّ الأمر لا يندرج ضمن إطار التنبؤ أو المصادفة، إنما هو نوع من الاستشراف جرّاء رصد الكاتب لتفاصيل قد لا ينتبه إليها غيره، سواء في مجتمعه الصغير أو الكبير. وهذا ما حصل مع "بوركيني". عندما اخترت العنوان لم يخطر في بالي أن  تصبح هذه الكلمة التي لم يكن يفهم معناها كثيرون، من الكلمات الأكثر تداولاً في الإعلام والسوشيل ميديا خلال عام 2016. عندما سمعتُ عن هذا اللباس للمرة الأولى شعرت أنه يختصر واقع نساء مسلمات يعشن في صراعٍ عميق بين ثقافة دينية راديكالية وأخرى عالمية عصرية. وأنا بطبعي كائن يراقب كل ما هو متحرّك ومتحوّل، وكنت منتبهة جداً إلى أنّ ثمة موضة جديدة تخصّ المحجبات وتبتعد تماماً عن الصورة النمطية المرتبطة بهنّ وبثقافتهن. وهذا التحوّل هو تماماً ما أردت تصويره في روايتي.

*هل كان النحت في اللغة يحمل أبعاداً اجتماعية أم أنه من مميزات السرد في روايتك " بوركيني "؟
**"بوركيني" كلمة تختصر في داخلها منظومتين تحكمان العالم، من خلال مزج كلمتي "البرقع" و"البيكيني". ولا شكّ أنني اخترتها لكونها تحمل أبعاداً اجتماعية تتناسب وواقع النصّ الذي يعكس صراع فتاة، ومن خلفها جيل كامل، بين عالمين أو ثقافتين متناقضتين تماماً.
*العالم الذي نعيش على وقع تخبطاته وانشطاراته وتشظياته يحمل مفاجآت كثيرة. محجبة صومالية تصل إلى الكونغرس الأميركي. هل من رسائل مبطنة هنا قد تطال الأرق الذي نعيشه في مجتمعاتنا الأكثر إحباطاً من غيرها؟ 
**الإنسان العربي راديكالي بطبعه. هو راديكالي أو لنقل أصولي في تديّنه، وفي علمانيته، وفي تحزّبه، وفي ثقافته. لا نعرف أن نكون براغماتيين. الغرب يعرف كيف يستفيد من الظواهر الجديدة، والمواهب المفيدة، مهما كانت ومن أين أتت. الكونغرس الأميركي احتفى بصومالية محجبة من اللاجئين، ودور الأزياء العالمية فتحت أبوابها لصومالية محجبة أخرى فصارت من أشهر العارضات اليوم. أما نحن فما زلنا نخوض في سجال بيزنطي وأسئلة لا معنى لها يطرحها المتدينون تارةً، والعلمانيون تارةً أخرى. هل يمكن المثقفة أن تكون محجبة؟ كيف تكون حرّة ومحجبة؟ هل المرأة غير المحجبة تدخل الجنة؟... علينا أن نتخلّص أولاً من عقدنا التي تورثنا إيّاها تربيتنا في ظلّ مجتمعات مغلقة تخاف من الآخر ولا ترى فيه سوى جحيمها.

*هل كانت بطلتك على اتصال غير واعٍ بك؟
**أكيد... نتشابه في أمور، ونختلف في أمور أخرى. ولكن، أعتقد أن كل الأبطال هم على اتصالٍ بصنّاعهم.
*ماذا كانت ستحمل الرسوم لو قدمتها فنانة لاتتخفى في النهار وراء الحجاب، وفي الليل بفستان أحمر يعكس الشبق والتفجر الجنسي؟
**لا أعرف. ربما الرسوم نفسها، ولكن في إطار آخر. الجسد من التيمات التي يهتم بها الفنانون جميعاً، مهما اختلفت نظرتهم إليه. ولكن في حال بطلة الرواية، بدا حضور الجسد الأنثوي كتعويض عن جسدها الغائب أو المستتر تحت الحجاب. لذا، كان الجسد هو الموضوع والرمز.
*ماهي ذريعة السرد التي مكَّنت بطلتك من الوقوف أكثر أمام المرآة الداخلية لتكون الصوت الوحيد في النص؟
**النصّ هو الذي فرض عليَّ تقنياته. القصة تدور خلال فترة زمنية محدودة جداً. السرد يقتفي مشاهد سريعة وعابرة. الأحداث شبه غائبة. داخل البطلة هو المكان الحقيقي الذي تدور فيه الأحداث. كلّ هذا جعلني أتجه صوب تقنية الصوت الواحد دون غيرها.

*من المؤكد أن هذا الانفصام المجتمعي الذي نعيشه في كل شيء تقريباً يضع بطلتك في مأزق الهوية. ألم يكن بوركيني هوية أيضاً؟
**صحيح. بوركيني هو الهوية الجديدة التي يحملها كثيرون في عالمنا. "السيكزوفريني" هوية من ينتمي إلى عالمين متناقضين. أو الأصح قولاً، "بوركيني" هي هوية اللامنتمي في واقعنا الراهن.
*هل اكتسبت روايتك – لاحقاً – قيمة أدبية من معدنها السردي، أم أن النقاش المحتدم على مستوى العالم ( وعالمنا العربي ) هو من يكسبها أهمية أكبر مع مرور الوقت؟
**عندما صدرت الرواية في العام 2014، حظيت باهتمام نقدي لافت. كتب عنها روائيون وصحافيون ونقاد معروفون جداً، ومنهم من لم ألتقِ به في حياتي. هذا الاهتمام جعلني أشعر بطمأنينة عقب قلق رافقني طوال مرحلة الكتابة والنشر. وبعد حادثة منع "البوركيني" في فرنسا والجدل العالمي حوله، عادت روايتي إلى الواجهة بعد سنتين من صدورها لتغدو حديث الصحافة من جديد. وأنا سعدت لأنّ روايتي تمكنت من اكتساب أهمية أكبر مع الوقت، كما أنها مازالت تحضر في كلّ ندوة ثقافية أو تحقيق صحافي يتناول قضية المرأة والجسد في مجتمعاتنا.
*مع تبلور صورة بوركيني – إعلامياً - هل ستنجح بطلتك في أن يكون القماش الذي تغطي شعرها به جزءاً حيوياً من صورة هذا العالم؟
**ما يمنح بطلتي أهميتها ليس حجابها وانما صدقها. إنها بطلة حقيقية في توترها وقلقها وترددها وإيمانها وشكها وعشقها وخوفها وقوتها وضعفها... هي بطلة تحمل كل المشاعر الإنسانية المتناقضة. قد تكون "بوركيني" هي أول رواية عربية تصوّر سيرة امرأة محجبة، ولكن أهميتها ليست في تيمة الحجاب بذاته، وانما في رصد المشاعر الدقيقة والعابرة أحياناً جرَّاء هذا الحجاب.

*هل انفتاح المثقف العربي على حداثة هوجاء غير منصفة في جانب منها يحمل أبعاداً كذلك الفصام الذي تعيشه بطلتك وهي مثقفة أيضاً. نحن شهود على حداثة مقنَّعة ونكوص مجتمعي في كل شيء؟
**الفصام الذي قصدته لم يكن مرتبطاً بفئة معينة. إنه انفصام نفساني- وجودي جرَّاء ضياع الهوية وتمزّق الذات بين تيارين يسودان العالم، ثقافة العولمة والحداثة والاستهلاك وثقافة التشدد والتعصب والانغلاق.
*ما الذي أضافه نقل روايتك إلى الفرنسية لبطلتك أولاً ولك ثانياً؟
**أظنّ أنّ الترجمة رسخت بعدها الإنساني. في رسالة قدمتها طالبة ماجستير في جامعة "نيوشاتيل" السويسرية حول الرواية، قالت كاتبتها إنَّ صراع البطلة يتجاوز في لحظة ظرفية الحدث ليعطيه بعداً إنسانياً أشمل يجعلنا جميعاً معنيين بهذا الصراع المتمثل في لحظات التردد عند البطلة. الحجاب هو الرمز أو الحُجَّة الروائية لكنّ  الجوهر يكمن في القلق الوجودي. قلقنا جميعاً.
*هل سنقرأ شيئاً جديداً لمايا الحاج قريباً؟
**إن شاء الله...

تعليقاتكم

أضف تعليقك